مكتبنا
صباح السالم -مقابل طريق الفحيحيل السريع قطعة1شارع 102ابراج العربيد ( اسفل البرج نظارات كيفان ) برج رقم 4 الدور 71 مكتب رقم 56
ساعات الدوام
السبت-الاربعاء 5 م – 9 م.

شرح شامل لجريمة شهادة الزور في الكويت، وكيفية تقديم البلاغ، والفرق بين الشهادة الكاذبة والتناقض العادي، وطرق الإثبات والدفاع.

جريمة شهادة الزور من الجرائم التي تمس جوهر العدالة، لأنها تتعلق مباشرة بسلامة الحقيقة القضائية وبقدرة المحكمة أو جهة التحقيق على بناء قناعتها على أساس صحيح. فعندما يُدلي شاهد بأقوال غير صحيحة عمدًا، أو يحرّف واقعة جوهرية، أو ينكر ما علمه بقصد التضليل، فإن الخطر لا يقف عند حدود الكذب الفردي، بل قد يمتد إلى إدانة بريء أو إفلات مذنب أو الإضرار بمراكز مالية وأسرية وإدارية شديدة الحساسية. ولهذا ينظر القانون بجدية خاصة إلى مسألة الشهادة الكاذبة وكيفية إثباتها.
لكن في الممارسة العملية، لا يكفي مجرد القول إن الشاهد “كذب” حتى تقوم جريمة شهادة الزور. فالفرق كبير بين التناقض الناتج عن النسيان أو الارتباك أو اختلاف زاوية الرؤية، وبين الشهادة الكاذبة المقصودة التي تتضمن تعمدًا لتغيير الحقيقة. كما أن البلاغ في هذه الجرائم يحتاج إلى ضبط دقيق للمستندات والوقائع السابقة واللاحقة، مع تحديد موضع الكذب وأثره في سير التحقيق أو الدعوى.

المقصود بها –بصورة مبسطة– أن يؤدي الشاهد شهادته أمام جهة مختصة، ثم يتعمد قول غير الحقيقة في واقعة جوهرية، أو يكتم الحقيقة بقصد تضليل العدالة، أو يقرر أمورًا يعلم عدم صحتها. ويُفهم من ذلك أن عناصرها لا تكتمل إلا بتوافر شهادة أمام جهة لها صفة قانونية، ووجود واقعة جوهرية مؤثرة، وقيام القصد العمدي لدى الشاهد. فليست كل مخالفة أو تفاوت في الرواية شهادة زور، ولا يكفي مجرّد الاختلاف بين شاهد وآخر لاعتبار أحدهما مرتكبًا للجريمة.
ولهذا، فإن أول سؤال يجب طرحه عند دراسة الواقعة هو: ما هو الموضع المحدد الذي يُدعى أنه كاذب؟ هل هو تاريخ؟ مكان؟ هوية شخص؟ طريقة وقوع الفعل؟ وجود لقاء أو عدمه؟ استلام مبلغ؟ مشاهدة حدث؟ وما أثر هذه الجزئية على الدعوى؟ لأن البلاغ غير المنظم الذي يكتفي باتهام الشاهد بالكذب من دون تحديد موضع الكذب وأدلة مخالفته يظل ضعيف الأثر.
تقديم البلاغ في جريمة شهادة الزور يحتاج إلى صياغة واقعية لا انفعالية. تبدأ الصياغة بتحديد الدعوى أو التحقيق الأصلي الذي شهد فيه الشخص، ثم بيان النص أو الفقرة أو المحضر الذي تضمن الشهادة محل الاعتراض، ثم توضيح أوجه عدم صحتها على نحو محدد، وربط ذلك بالمستندات أو القرائن أو الأقوال الأخرى التي تكشف التضليل. وإذا كان البلاغ يتعلق بتناقض الشاهد مع محرر رسمي أو تسجيل أو تقرير فني، فيجب إبراز هذا التعارض بوضوح.

هذه نقطة محورية في التقييم القانوني. فالشاهد قد يخطئ أو ينسى أو يختلط عليه التسلسل الزمني، وهذا لا يكفي وحده. الذي يدعم قيام جريمة شهادة الزور هو وجود تعمد واضح، أو إصرار على رواية مخالفة للحقيقة رغم وجود قرائن قوية على العلم، أو تغيير متعمد يخدم مصلحة معينة، أو إنكار أمر ثابت إنكارًا لا يفسره مجرد السهو. كما أن التناقض إذا كان منصبًا على تفاصيل هامشية غير مؤثرة، فقد يضعف قيمة الشهادة لكنه لا يكفي وحده لبناء اتهام مستقل.
ولهذا، من المهم عند إعداد البلاغ أو الدفاع أو حتى تقييم جدوى الاستمرار، أن نفرز بين ثلاثة مستويات: مستوى الاختلاف البسيط في التفاصيل، ومستوى التناقض المؤثر في واقعة جوهرية، ومستوى الكذب العمدي المقترن بقرائن قوية على العلم والقصد. وهذه المراتب ليست نظرية فقط، بل هي ما يصنع الفارق بين بلاغ متماسك وبلاغ ضعيف.
إثبات هذه الجريمة يعتمد غالبًا على المقارنة والتحليل، لا على دليل منفرد. فالمحور هو وضع الشهادة محل الاعتراض في مواجهة الأدلة الأخرى: وثائق، تسجيلات، أقوال سابقة، تقارير خبرة، كشوف حركة، مراسلات، أو شهادات أخرى. وكلما كان التعارض صريحًا ومباشرًا ومتصلاً بواقعة جوهرية، زادت قوة البلاغ.
وفي بعض الحالات، تكون القرائن وحدها قوية جدًا، كأن ينفي الشاهد وجوده في مكان، بينما تثبت الكاميرات أو سجلات الدخول وجوده، أو ينكر استلام مستند ثم يثبت توقيعه أو مراسلاته المتعلقة به، أو يقرر استحالة وقوع حدث في وقت معين ثم تكشف البيانات الفنية خلاف ذلك. كما أن تناقض الأقوال في نقاط جوهرية –إذا اتصل بظروف ترجح العمد– قد يكون ذا وزن معتبر.
من ناحية أخرى، قد يواجه الشخص نفسه اتهامًا بشهادة الزور. وهنا لا بد من التمييز بين الكذب العمدي وبين سوء الفهم أو ضعف التذكر أو الإدلاء برواية مبنية على ما اعتقده الشاهد صحيحًا وقت الإدلاء بها. والدفاع الجيد يركز على نفي القصد، وبيان أن التفاوت في الأقوال كان نتيجة التباس أو نسيان أو اختلاف في الإدراك أو أن الجزئية محل الاعتراض ليست جوهرية أصلاً.
كما قد يستند الدفاع إلى أن أقوال الشاهد لم تكن قاطعة، أو أنها وردت بصيغة الاحتمال أو التقدير لا الجزم، أو أن المحضر لم ينقلها على النحو الصحيح، أو أن الاستجواب كان سريعًا وغير مفصل، أو أن اللغة المستخدمة أدت إلى لبس. وهذه الاعتبارات كثيرًا ما تكون حاسمة في تقييم مدى توافر القصد الجنائي.

سواء كنت مقدم بلاغ أو متهمًا في جريمة شهادة الزور، فإن الاستعانة بمحامٍ تصبح مهمة جدًا عندما تكون الوقائع متشابكة أو ترتبط بدعوى أصلية كبيرة أو بخصومة مالية أو أسرية أو تجارية. فالتسرع في الاتهام قد يرتد على صاحبه إذا اتضح أن المسألة لا تتجاوز اختلافًا في التقدير. وفي المقابل، إهمال الشهادة الكاذبة التي أضرت بمركزك قد يكرس أثرًا ضارًا يصعب إصلاحه لاحقًا.
ويمكن الاستفادة من المصادر العامة مثل وزارة العدل الكويتية ووزارة الداخلية الكويتية لمعرفة المعلومات الإجرائية العامة، لكن تقييم الملف نفسه يحتاج إلى فحص محاضر الدعوى والمستندات والقرائن وربطها قانونيًا.
جريمة شهادة الزور تقوم على شهادة كاذبة عمدية في واقعة جوهرية، ولا يكفي لقيامها مجرد التناقض العابر أو النسيان أو الخطأ غير المقصود. والبلاغ القوي فيها هو البلاغ الذي يحدد العبارة محل الاعتراض، ويثبت تعارضها مع مستند أو واقعة أو أقوال أخرى ثابتة، ويبيّن أثر ذلك التعارض في تضليل العدالة. أما الدفاع القوي فيقوم على تفكيك عنصر القصد، وبيان أن ما وقع لا يجاوز الخلط أو التقدير أو عدم الدقة.
يقوى البلاغ عادة إذا كان الشاهد قد قرر واقعة محددة يمكن التحقق منها مباشرة، مثل نفي وجوده في مكان معين بينما تثبت الكاميرات أو سجلات الدخول عكس ذلك، أو إذا أنكر توقيعًا أو استلامًا أو مقابلة بينما تثبت المستندات أو المراسلات خلاف أقواله. كما يقوى عندما يكون التناقض متعلقًا بلب الدعوى، لا بمجرد تفصيل ثانوي لا يغيّر النتيجة.
ويضعف البلاغ إذا كان الاعتراض مبنيًا فقط على اختلاف روايتين دون سند موضوعي، أو إذا كان الشاهد يستخدم عبارات تقديرية أو غير جازمة، أو إذا كان ما وقع مجرد قصور في التذكر بسبب طول المدة أو تعقيد الحدث. كما يضعف إذا كان مقدم البلاغ لا يستطيع تحديد موضع الكذب أو أثره أو لا يملك سوى الانطباع الشخصي بأن الشاهد منحاز.
الخطوة الأولى هي الحصول على نسخة من المحضر أو الحكم أو المذكرة التي تضمنت الشهادة إن كان ذلك متاحًا قانونًا. والخطوة الثانية هي تحديد العبارات أو الفقرات محل الاعتراض بدقة. ثم تُجمع الأدلة المخالفة: مستند، تسجيل، تقرير، مراسلة، كشف زمني، أو أقوال سابقة للشاهد نفسه. بعد ذلك يمكن عرض الملف على محامٍ لتقدير ما إذا كان الأمر يرتقي فعلًا إلى شهادة زور أم إلى تناقض عادي أو اختلاف في الإدراك.
ومن المهم جدًا تجنب الرد الانفعالي أو مواجهة الشاهد خارج الإطار القانوني أو نشر الاتهام على الملأ. لأن القوة الحقيقية لا تكون في الاتهام الواسع، بل في البلاغ المحدد المسنود بأدلة منضبطة. كما ينبغي الانتباه إلى أن تحريك هذا النوع من المسائل داخل الدعوى الأصلية أو بعدها قد يتطلب توقيتًا مناسبًا يحدده المحامي بحسب ظروف الملف.
إذا استُدعي الشخص للشهادة، فمن مصلحته أن يلتزم بما رآه أو سمعه أو علمه يقينًا فقط، وألا يبالغ أو يملأ الفراغات بالافتراضات. وإذا لم يتذكر تفصيلًا معينًا، فالأفضل أن يصرح بعدم التذكر بدل الجزم بما ليس واثقًا منه. كما ينبغي التمييز بين ما شاهده بنفسه وما سمعه من الغير، وبين التقدير الشخصي والواقعة المادية. هذه القواعد البسيطة تمنع كثيرًا من المشكلات التي قد تنشأ لاحقًا.
قبل المضي في اتهام شخص بشهادة الزور، من المفيد فحص ما إذا كانت الأدلة المخالفة قطعية أم ظنية، وما إذا كان التناقض في جوهر الواقعة أم في تفصيل فرعي. كما يجب تقدير أثر ذلك على الدعوى الأصلية: فهناك حالات يكون الأنفع فيها التركيز على إسقاط قيمة الشهادة داخل الدعوى نفسها بدل فتح نزاع مستقل، وهناك حالات يكون فيها البلاغ المستقل ضروريًا لحماية المركز القانوني ومنع استمرار الضرر.
أما من يواجه الاتهام، فعليه أن يجمع النسخ السابقة من أقواله ومحاضر سماعه وأي مذكرات أو رسائل تبيّن السياق الذي أدلى فيه بشهادته، وأن يوضح مواضع الالتباس أو أسباب الاختلاف إن وجدت. هذا التحضير المبكر يحسن قدرة الدفاع على شرح الفروق بين الكذب العمدي وبين ضعف الذاكرة أو عدم الدقة أو سوء الفهم.
تنبيه: هذا المحتوى لأغراض التوعية العامة ولا يغني عن مراجعة محامٍ مرخص في الكويت للاطلاع على وقائع الملف والمستندات الأصلية قبل اتخاذ أي إجراء.